الأحد، 22 يناير، 2012

     الدكتور مصطفى بخوش
أستاذ محاضر في العلاقات الدولية
رئيس اللجنة العلمية
قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية
جامعة محمد خيضر بسكرة –الجزائر-
البريد الالكتروني: b_moustapha2000@yahoo.fr

التحول في مفهوم الأمن وانعكاساته علي الترتيبات الأمنية في المتوسط
 مقدمة:
   دفع انهيار نظام الثنائية القطبية ونهاية المواجهة بين الكتلتين إلى الواجهة مسألة إعادة التفكير في النظام الذي سيحكم وينظم العلاقات الدولية في مرحلة اختفت فيها الحرب الباردة لتترك المجال واسعا لصراعات من نوع جديد. وبرزت الحاجة لتطوير شبكة قراءة وتحليل جديد تشرح الظواهر الجديدة التي ترتبت عن نهاية الثنائية القطبية.
لقد دلت نهاية الحرب الباردة على نهاية الكثير من الحقائق اليقينية في المجالات الرئيسية للفكر السياسي والاقتصادي وبروز العديد من المفارقات بعضها على الصعيد الهيكلي النظامي وبعضها على الصعيد القيمي. فمن الملاحظ مثلا أنه في الوقت الذي بدأ يتبلور اتجاه يتجاوز الدولة ويعمل على بناء تكتلات اقتصادية اقليمية كبرى عاكسا ديناميكية العولمة/الإقليمية، وعدم قدرة الدولة الوطنية على معالجة العديد من القضايا الدولية وحتى الوطنية بصفة منفردة . نلاحظ بالمقابل تعرض الدولة الوطنية إلى مخاطر مصدرها انتعاش الولاءات الأصلية من اثنية ومذهبية ودينية وقومية.
الواقع أن التحولات التي شهدها النظام الدولي بعد الوحدة الألمانية أدخلت العالم في حالة فوضى انتقلت حتى إلى مستوى التنظير " فهناك اليوم اتجاه في تحليل العلاقات الدولية يؤكد على القطيعة ويستسلم للأوهام من أجل تطوير مفاهيم جديدة أو اقتراح أفكار جديدة، وهكذا نسمع اليوم بكثرة عن نهاية التاريخ، نهاية الجغرافيا ونهاية الجغرافيا السياسية بل أكثر من ذلك نسمع اليوم عن موت الدولة الأمة"1 .
والأمر الذي زاد في تعقيد الوضع الراهن هو تزامن ثلاثة تحولات أساسية هي:
-     نهاية الحرب الباردة على المستوى الاستراتيجي سجلت ظهور عالم بدون معالم ثابتة حيث أعيد طرح مسألة الحدود التي هي في غالبها نتاج ترتيبات ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية( نظام فرساي).
-      العولمة على المستوى الاقتصادي سمحت ببروز عالم بدون حدود حيث برز اتجاه قوي في العلاقات الدولية يتجاوز الدولة ويعيد طرح مفهوم الدولة الأمة للنقاش( نظام وستفاليا).
-     نهاية الشيوعية على المستوى الأيديولوجي خلقت عالم بدون عدو واضح فالخطر القديم زال والعمل جار لخلق عدو جديد يلعب نفس الدور الذي لعبه في السابق التناقض شرق/غرب (نظام يالطا).
هذا التزامن فرض ضرورة التفكير وفي نفس الوقت في عالم بدون معالم وبدون حدود وكذلك بدون عدو واضح.
   ويعتبر اليوم موضوع تحول مفهوم الأمن واحد من المواضيع الأساسية التي تشغل الباحثين والقادة السياسيين لما له من تأثير مباشر على طبيعة العلاقات الدولية التي شهدت تحولات كبرى منذ سقوط جدار برلين. وعليه سنحاول في هذه الورقة مناقشة هذا التحول وانعكاساته على الترتيبات الأمنية في حوض المتوسط وفق العناصر التالية:
1-التغيرات الجيوسياسية بعد الحرب الباردة.
2-تحول مفهوم الأمن.
3-الرؤية الغربية للأمن في حوض المتوسط.
أولا : التغيرات الجيوسياسية بعد الحرب الباردة:
      نتج عن نهاية الحرب الباردة تحول لا مثيل له فلأول مرة منذ القرن الخامس عشر يحدث تغيير في النظام الدولي بدون حرب، ولكن بإعادة توزيع عناصر القوة بين القوى الكبرى، الشئ الذي انعكس على الوضع الاستراتيجي لما بعد الحرب الباردة، في شكل مراجعة الخريطة الجيوسياسية التي نتجت عن نهاية الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهذا ما يطرح العديد من الإشكالات على مستوى التنظير لما يعرف الآن بمرحلة مابعد الحرب الباردة ،حيث يرى "بيار هسنر Pierre Hassner " أن كل من نظام يالطا "Yalta" (الثنائي) ونظام فرساي"Versailles" (الحدود) وكذلك نظام وستفاليا"Westphalie" (الدولة الأمة)، كل هذه النظم هي محل تساؤل اليوم"(2).
       يمكن أن نحصر تجليات التحول الجيواستراتيجي في الآتي :
1-التحولات التي حدثت في الاتحاد السوفياتي ودول أوربا الشرقية، والتي أدت إلى انتهاء عملية المواجهة بين الكتلتين الشرقية والغربية، ثم جاء انهيار الاتحاد السوفياتي وزوال حلف وارسو ليقلل من أهمية الفكر الاستراتيجي الغربي، ويعيد طرح مسألة التهديد بشكل جدي. فبعدما كان الخطر الشيوعي هو البوصلة التي توجه العالم الغربي، وتضبط مساراته، وتضمن تماسكه اتجاه الآخر، يجري وبشكل حثيث البحث عن عدو جديد، يضمن تماسك واستمرارية الغرب.
      إن هيمنة التنافس والصراع بين القطبين على النظام الدولي في الفترة(1945-1989) خلقت نوعا من التجانس والانسجام. فبالنسبة للغرب العدو واضح، محدد وواحد هو الاتحاد السوفييتي وحلفاؤه (الشيوعية)، والعكس صحيح كذلك بالنسبة للشرق، العدو واضح، محدد وواحد هو الولايات المتحدة وحلفاؤها (الإمبريالية)، وهكذا وبالنظر إلى التهديدات والأخطار التي يمثلها كل طرف على الآخر، تم بناء استراتيجيات الحرب الباردة، والتي تميزت باحترام قواعد لعبة الردع النووي المتبادل.
      و قد أدركت الإدارة الأمريكية كما يشير إلى ذلك"سمير أمين"(3) أن تخلي موسكو عن الاشتراكية، واندماجها في المحيط الدولي الجديد الذي ترتب عن نهاية الحرب الباردة، لابد أن يؤدي إلى تآكل التحالف الأمريكي الأوربي الياباني (الذي شكل القاعدة الأساسية للهيمنة الأمريكية) طبيعيا مع الزمن، وبالتالي فلا بد من استبدالها بمشروعية أخرى للتحالف، وجدتها أمريكا في التهديد الذي يمثله العالم الثالث. وأثناء عملية البحث هذه عن عدو جديد، تم توظيف مجموعة من النظريات والأفكار، بعضها قديم وآخر جديد، نذكر منها على وجه الخصوص نظرية (التحدي-الاستجابة) لتوينبي، والتي تؤكد أن وحدها المدنيات(الحضارات) التي تواجه تحديات وأخطار تزدهر وتنمو، والعكس صحيح، ففي غياب تحدي خارجي تدخل الحضارة في حالة مراوحة المكان ثم الانحلال. أما النظرية الثانية فهي نظرية الكتلة المزدوجة لكانيتي، التي ترى أن "الإمكانية الأضمن والوحيدة في الغالب التي تملكها كتلة (أو دولة) للحفاظ على نفسها وتماسكها، إنما تكمن في وجود كتلة ثانية (أو دولة) ترتبط بها، وسواء تواجهتا أو تبادلتا التهديد جديا في اللعبة، فإن الحكم بكتلة ثانية أو حتى التخيل الكثيف لها يتيح لها ألا تتفكك"(4). و يمكن أن نشير كذلك إلى نظرية  "صدام الحضارات" لصاحبها صامويل هانتغتون، ورغم هذا الجهد النظري يبدو أن الوضعية ما زالت معقدة.
2-ساهمت حرب الخليج II بصورة كبيرة في إعادة تعريف النظام الدولي، حيث مثلت نهاية حرب الخليج II فرصة مناسبة للإدارة الأمريكية للإعلان على ما أسماه الرئيس"بوش الأب" نظام دولي جديد(خطاب بوش الأب في سبتمبر 1990)، وباختصار أظهرت حرب الخليج بأن التقارب بين الشرق والغرب لم يضع حدا لكل التناقضات، وإنما أعاد هيكلتها، بمعنى أن التناقض شمال-جنوب حل محل التناقض شرق-غرب، بل أكثر من ذلك كشفت حرب الخليج عن تناقضات داخل المعسكر الغربي نفسه، فمن الواضح الآن أن الولايات المتحدة تستخدم سيطرتها العسكرية على النفط، لكي تفرض هيمنتها على الجميع، ولممارسة الابتزاز السياسي على الجميع، بما في ذلك أوربا.
و يطرح جيمس كولمان" فكرة أن بروز العنصر الاقتصادي كمحرك للسياسات الدولية في النظام الدولي الجديد بعد تراجع عنصري الإيديولوجيا وسباق التسلح جعل التوجهات ذات النزعة للتفوق الاقتصادي بمثابة إيديولوجيا جديدة لها أيضا أدواتها السياسية وسماتها العقائدية، حتى أنها اكتسبت صفة الأصولية الاقتصادية وهو مصدر ستكون له فاعليته في إثارة النزاعات بين الغرب والآخرين"(5).
      و الملاحظ أن المعطى الاقتصادي يدفع بشكل قوي هو الآخر نحو تشكل ثنائية شمال/جنوب، تتميز عن تلك التي عرفتها مرحلة السبعينات بأنها تتجاوز المستوى الاقتصادي لتنتقل إلى المستوى السياسي والاجتماعي، وهو ما يسهل تصوير الجنوب على أنه "مجرد مجموعة من البرابرة التي تريد غزو الشمال وتحطيمه"(6) .كما سنرى ذلك لاحقا في حوض المتوسط.
ثانيا: تحول مفهوم الأمن      
         الملاحظ اليوم أن التصور التقليدي الذي يتألف فيه النظام الدولي من مجموعة من الدول ذات السيادة لم يعد ليصمد أمام اقتحام المجتمعات للعبة العالمية، فتغير الانتماءات وتجزئة السياسات الخارجية إنما يعمل على تفكيك الأطر القومية وتقسيمها بفعل عمليات تفتت وانحلال لا نهاية لها. امتدت لتشمل كل المجالات والقطاعات كالهجرة و الدين و شبكات المافيا والإرهاب و الجريمة المنظمة و راس المال و الاستثمارات الخاصة.
لذالك نحاول في هذا الجزء الإجابة على التساؤل الذي يبدو للوهلة الأولى بسيطا وسهلا، غير انه في الحقيقة يحمل أبعادا جديدة ويطرح إشكالات معقدة تتجاوز المفهوم التقليدي للأمن. والتساؤل هو: كيف تعالج قضايا الأمن اليوم ؟
إن الملاحظ اليوم بالتأكيد يسجل أن تحول الأمن نحو المجالين الاقتصادي و الاجتماعي ابرز فواعل جدد كالبنوك المركزية ووزارات المالية و التجارة ومؤسسات المجتمع المدني ومجموعة من الشبكات الخاصةالتي كانت في السابق تعمل في ظل الدولة، يضاف إليهم الفاعلين الخواص و الشركات المتعددة الجنسية وكذا المتدخلون في الأسواق المالية وعلب التفكير التي اخذ دورها يتصاعد شيئا فشيئا على حساب الهيئات الحكومية التي كانت تسهر على الترتيبات الأمنية. وأصبحنا نتكلم عن ظاهرة خصخصة الأمن.   سنعالج مسألة تحول مفهوم الأمن ضمن ثلاثة عناصر أساسية هي:
1-                                                                                                                   التحول في الفواعل في حقل العلاقات الدولية( مصدر التهديدات والأخطار)
2-                                                                                                                   كثافة وتسارع التدفقات الفوق قومية والتحت قومية(طبيعة التهديدات الأخطار)
3-                                                                                                                   التحول في الوسائل والأدوات.
1: التحول في الفواعل في حقل العلاقات الدولية:
         بداية نشير إلى أن المقصود بالفاعل (Acteur) في العلاقات الدولية كل سلطة أو جهاز أو جماعة أو حتى شخص قادر أن يلعب دور ا على المسرح الدولي. وقد يتطلب لعب هذا الدور اتخاذ قرار ما أو الإتيان بفعل. وهو ما يؤكد على أن الفواعل الذين تدور بينهم العلاقات الدولية هم متنوعون بقدر ما هم متعددون.
        إن تحليل دور الفواعل و ليس تحديد و ضعهم القانوني هو الذي يمكننا في الواقع من تحديد موقعهم و مدى فاعليتهم في المسرح الدولي، فإضفاء صفة الفاعل في العلاقات الدولية مرتبطة بمدى تأثير و مساهمة هذا الفاعل في التدفقات الدولية وليس مرتبط إطلاقا بوضعه القانوني، والملاحظ هنا أن قواعد القانون الدولي تضفي على الحكومات ميزة احتكار تمثيل الدولة والتصرف باسمها في مجال العلاقات الدولية. وهو الأمر ذاته الذي يتبناه أنصار المنظور الواقعي عندما يؤكدون على أن الدولة هي فاعل وحدوي مركزي في العلاقات الدولية يسعى لتحقيق المصلحة القومية، انطلاقا من ما سبق و إذا كانت السياسة الخارجية هي "فن قيادة علاقة دولية ما بغيرها من الدولة فان الدبلوماسية هي القيام بالتنفيذ والتطبيق الواعي للبرنامج المحدد من خلال عمل منهجي يومي عن طريق المفاوضات أو على الأقل المحادثات التي تجري بين الدبلوماسيين بعضهم البعض أو بين الدبلوماسيين و وزراء الخارجية(7)، وكذلك وكما يؤكد الواقعيون يعتبر السلوك الاستراتيجي خيار يمكن الاعتماد عليه من قبل الدول لمتابعة وملاحقة مصالحها الأمر الذي يكشف عن أولية وأولوية الدولة كفاعل يحتكر السلوك الدبلوماسي الاستراتيجي لمتابعة تنفيذ أهداف السياسة الخارجية.
        هذا هو التقليد السائد ومع ذلك فان هذا لا يخفي التحولات الظاهرة في الممارسة الدبلوماسية الاستراتيجية التي تكشف بوضوح أن هناك قوى عديدة على الأقل في النظم الديمقراطية تتقاسم الصلاحيات في إطار الجهاز التنفيذي و أن هذه القوى السياسية ترتبط بجماعات سياسية واقتصادية و اجتماعية تدفعها للانغماس بشكل متزايد في عملية صياغة السياسية الخارجية وفقا لتوجهاتها و أهدافها و مصالحها. فمثلا يحدث أحيانا أن يتجه أرباب العمل إلى تنظيم هياكل مؤسسية و دواليب للعمل تسمح لهم بإقامة شبكة علاقات دولية خاصة بهم مع الشركات و الحكومات الأجنبية، و التعاون الوثيق مع السلطة السياسية مما يسمح بتحقيق المرونة الدبلوماسية المطلوبة (8) .
   إن النقاش الدائر اليوم حول تعدد و تنوع الفواعل في العلاقات الدولية دفع "هولستي Holsti إلى القول بوجوب التفرقة بين نوعين من العلاقات الدولية: الأول يشمل السياسة العليا و هي تقتصر على الدول فقط وتتناول قضايا السلم و الحرب، أما النوع الثاني فيضم السياسة الكلية وهي تشمل كل المجالات ما عدا قضايا السلم و الحرب يشارك فيها كل الفواعل من دون الدولة.غير أن هالد Held (9) في مقاربته الكوسموبوليتانية يرى أن تقسيم Holsti  مقبول لكنه غير واقعي لأن السياسة العليا ليست حكرا على الدولة فقط (الدور المتصاعد لبعض المنظمات و الهيئات كالأمم المتحدة، الحلف الأطلسي، الإتحاد الأوربي، الإتحاد الإفريقي في التعاطي مع نزاعات ذات الطبيعة الأمنية ).
و هو ينطلق من فكرة محورية أساسها أن نهاية الحرب الباردة أعادت إحياء دور المنظمات الحكومية فوق الوطنية التي أصبحت تتدخل في أمور السلم والحرب كما أن السياسة الكلية ليست فقط على مستوى عالمي لكن أيضا داخل الدولة العضوة فيما يخص التنمية، حقوق الإنسان، الإصلاحات السياسية، الديمقراطية، الأقليات و غيرها من القضايا، لذلك يعتقد Held أن التحول على مستوى الفواعل يؤثر على مستوى القوة و القواعد والسيادة.
 أما" كوهين وناي "Keohane et Nye (10) فيعتقدان أنه لا يجب التركيز في دراسة العلاقات الدولية فقط على العلاقات الدولاتية Interétatique و لكن يجب كذلك دراسة العلاقات عبر القومية التي يمكن أن تنشأ بين مختلف المنظمات ( مثل المنظمات غير الحكومية(ONG ). الحركات السياسية، الجماعات العلمية و غيرها، و يؤكدان أن هذه العلاقات سينتج عنها خمسة آثار مهمة هي:
   -تغير سلوك الأفراد.
   -تكون مدخلا للتعددية الدولية " Pluralisme international                                        
   -تصبح الدول يوما بعد يوم و شيئا فشيئا خاضعة لتأثير مختلف هذه المجموعات.
   -معظم الحكومات ترى أن إمكانيات تأثيرها تتناقص و تتراجع لصالح هذه المجموعات.
-الدول لم تصبح هي الفاعل الوحيد في حقل السياسة الخارجية مع التأهيل المتزايد للمنظمات الدولية.
 إذن توجد ظواهر لا تخضع لسيطرة الدولة و تؤثر فيها، فالدولة لم تعد المرجع المطلق لنظرية السياسة الدولية وبالمقابل برز مرجعان أساسيان جديدان هما الفرد و الإنسانية(مفهوم الأمن الانساني).
انطلاقا من هذه اللحظة بدأ الحديث عن تنظيم جديد للعالم (عالم ما بعد وستفالي ) يتميز بغياب الاستقرار ليس لأن الدول تتراجع فقط و لكن أيضا لأن الفواعل من غير الدولة يلعبون أدوارا جعلت الوضعية غير متحكم فيها.
   وعموما نشير هنا أن دراسة تطور الظواهر فوق قومية و تحت قومية في العلاقات الدولية، برز مع إسهامات جون بورتون "J.Burton " في كتابه "World Society  " الذي أشار فيه إلى بدايات ظهور مجتمع عالمي أمام تراجع أدوار الدول. هذا المجتمع حسبه شبيه بشبكة العنكبوت "Toile d’areigneé"، كل فرد فيه يملك علاقات متعددة مع مؤسسات متنوعة. هذه العلاقات جوهرها إشباع الحاجات خصوصا الأمن و الرخاء، و يعتقد بورتون أن الشكل السياسي الذي تمتلكه الدولة لم يعد قادرا على إشباعها لذلك يتوجه الأفراد نحو فواعل آخرين(11).
وفي الأخير اعتقد أن الكلام في موضوع تعددية الفواعل دون التوقف عند إسهامات روزنو و’J.Rosenau يبقى ناقصا،فهو يؤكد انه يجب التركيز اليوم أكثر على دراسة السياسة ما بعد الدولية "  post  internationale" وهي نفسها السياسة العالمية كما يشير في كتابه" Turbulence in world politics" (12) حيث أشار فيه إلى بداية زوال عالم الدول الذي نشا مع اتفاقية وستفاليا "wastphalia" و المحكوم بثلاثة مبادئ أساسية هي :
-مبدأ السيادة.
- مبدأ المساواة بين الدول.
-مبدأ عدم التدخل.
معتمدا في تحليله هذا على ظاهرتين أساسيتين هما:
-تضاعف وتزايد الفواعل من خارج إطار السيادة "Sovereignety free" .
- انتشار وتشتت الهويات التي لم تعد قادرة على الاستمرار في الولاء اتجاه الدول.
وهو ما نتج عنه حركة تفكك" Fragmentation" يقابلها بداية تبلور هوية عالمية للنوع الإنساني. ما يميز العالم ما بعد الوستفالي حسب روزنو هو انه ضحية للاضطراب الذي يعكس حالة الفوضى غير المتحكم فيها و التي تعبر عن وجود ثلاثة أزمات هي:
-أزمة السيادة: فقاعدة قدرة الدول على إدارة المشاكل تتراجع باستمرار.
-أزمة متعلقة بالإقليم "territorialité" فالتوجه نحو العولمة يتجاوز نموذج الدولة.
-أزمة سلطة: تعدد الفواعل و تنوعهم ونسبية قدرتهم على الفعل تمنع قيام نظام مستقر.
ويذهب روزنو في كتابه إلى محاولة البحث عن منطق لهذا الاضطراب وحاول الكشف عن معايير داخل الفوضى نفسها كالأتي:
-معيار السياسة الجزئية "Micro – politique ": وهو كما يرى الأكثر أهمية ويظم أربعة أبعاد للعلاقة فرد / سياسة دولية هي:
-       الشعور بالولاء لدى الأفراد اتجاه الجماعة التي ينتمون لها (الدولة ).
-       سلوكات الخضوع و الإذعان لدى الأفراد في مواجهة من بيدهم السلطة.
-       صلاحية وقدرة تحليل السياسة الدولية بالنسبة للأفراد: فالأفراد أصبحوا يوما بعد يوم أكثر إطلاعا، فهم إذن قادرون على مناقشة السياسة الدولية.
-       قدرة تفاعل الأفراد وتأثرهم بالظواهر الدولية.
هذه الأبعاد الأربعة أدت إلى صعوبة الحكم "difficile de gouverner"
-معيار السياسة الكلية Macro- politique/structurel: يرى روزنو أن المجتمع العالمي مخترق من حركات متعددة المراكز ومن هنا تكمن أهمية الفواعل الجدد دون سيادة وهي:
-       من تحت: مجموعات المصالح
-       من فوق: النظام الدولي
 إذن الدول أصبحت مسئولة ولا تملك وسيلة عمل، وعليه فان تحليل السياسة الدولية كسياسة دولاتية Interétatique   أصبح غير صالح.
-المعيار العلائقي أو الترابطي: اضطربت علاقات السلطة/الأفراد هي الأخرى لذلك وكما يرى روزنو نحن نعيش في عالم ثنائي مقسم إلى:   -عالم دولاتيétatique كلاسيكي.
- عالم ما بعد وستفالي .
هذا التقسيم لن يستمر بل ويذهب إلى أبعد من ذلك عندما يقول: " السائح و الإرهابي le touriste et le terroriste  شخصيتان ترمزان للمرحلة التي يدرسها ، وممكن أن تكونا حفار قبر للدولة .
طروحات روزنو هذه في الحقيقة هي استمرار للتصورات التي طرحها في مطلع التسعينيات من القرن الماضي حول الحاكمية أو الحكم العالمي والتي تركز على مفهوم السلطة معرفة بشكل خاص بالسوق أو القطاع المعنى وهي ليست محددة مسبقا ولا تقترح تراتبية معينة، بل تظهر من خلال العلاقات بين مختلف المعنيين. إن التزاوج الحاصل بين العولمة والمحلية تشجع بروز قوى جديدة داخل المجتمع الدولي أنتجت بدورها مسار مزدوج:  التكامل / التفكك، ساهم في تفكك السلطة بين المستوى العالمي، الوطني وتحت الوطني.
مقاربة روزنو تسلط الضوء على الحكم العالمي ذو خصوصية معقدة تكمن في تعددية الفاعلين في مجال يتطور ويتحول بشكل مستمر ودائم، الفواعل الأساسيون فيه هم دوائر السلطة وليس الدول بحيث كل دائرة تمارس سلطتها بطريقتها الخاصة.
والعلاقات بين الدوائرintersphérique  ليست بالضرورة تراتبية فداخل كل دائرة الفواعل الأكثر قوة يفرضون إرادتهم ، وهكذا فهي حاكمية بين حاجات مختلف الفواعل والتي تسمح لواحد منهم الحصول على رضا الآخرين وليس ضرورة دستورية تعطي السلطة العليا حصريا للدول و الحكومات الوطنية .
أمام هذا العدد الكبير و المتنوع من الفاعلين تحت القوميين وفوق القوميين والذين يسعون جميعا إلى التسلل إلى رقعة السياسة الخارجية فقد نقع كما يقول مارسل مارل تحت إغراء القول بان وظيفة الدولة تنحصر بالتحديد في لعب دور الحكم بين هذه المصالح و الاتجاهات المتعارضة لتحديد الخط المشترك وصياغة الإجابة على التحديات ويمثل هذا الوضع ما يجب أن يكون عليه الحال من الناحية النظرية ولكنه لا يتم عمليا على هذا النحو (13)، فالتحليل الكلاسيكي للعلاقات الدولية يفترض أن كل التوترات يمكن حلها عن طريق تدخل السياسي الذي يفرض إطار للتفكير المتجانس الموحد، هيمنة السياسي و أوليته أصبحت اليوم مشكوك فيها من طرف قدرات وإمكانات باقي الفواعل الذين بإمكانهم فرض منطقهم الخاص للعمل. خصوصا عند الحديث عن شبكات الجريمة المنظمة والشبكات الارهابية.
2: كثافة وتسارع التدفقات الفوق و تحت قومية
    إن انفتاح المجتمعات و الاقتصاديات ساهم بداية في توسيع الإطار الكلاسيكي للعلاقات الدولية، هذا الأخير كان متصورا انطلاقا من هيمنة الدولة و أولويتها فالمجال السياسي والأمني يهيمن على المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية، فالملاحظ أن كثافة العلاقات الاقتصادية والمالية والتجارية، و كذا التداخل المتصاعد يوم بعد يوم لشبكات الاتصال و المعلومات، بالإضافة إلى تحسن وسائل النقل كلها تمثل ظواهر تساهم في تطور العلاقات العابرة للحدود التي تتجاوز رقابة الدول، فإلى جانب العلاقات الدولاتية تتطور علاقات عبر قومية Transnational تتجاوز رقابة الدول أدت إلى نتيجتين اثنتين:
1-                                                                                                                   اعتبرت الدولة سابقا الفاعل المركزي في العلاقات الدولية و بالمقابل لها يتحدد باقي الفاعلين في الساحة الدولية ( المنظمات الدولية، الشركات متعددة الجنسية، المنظمات غير الحكومية ) هؤلاء الفواعل تم اعتبارهم في السابق ثانويين ولم يكن بمقدورهم التشكيك في أولية الدولة و أولويتها، لكن اليوم أصبح من المسلم به أنهم يمتلكون عدد كبير من الفرص للخروج والتخلص من وصاية الدولة بل والعمل ضدها ومنافستها.
2-                                                                                                                   أدوات تنظيم الحياة الدولية كانت متصورة من زاوية سياسية محضة، غير أن التأهيل المتزايد للفواعل من غير الدول يفرض الأخذ بعين الاعتبار زوايا ورؤى أخرى لذلك نلاحظ أن الفصل بين المجالات المرتبطة بالسياسة العليا ( الدبلوماسية، مسالة الأمن و الاستراتيجية.......) والمجالات الدنيا اليومية أين تدخل الاعتبارات السياسية في تنافس مع أولويات أخرى و طرق مغايرة للتفكير بدا يتراجع و يزول.
إذن نحن اليوم بصدد منطق جديد يختلف تماما عن المنطق الآروني الذي يرى كما كتب Raymond Aron نفسه "أن العلاقة الدولية تبرز في وبواسطة سلوكات معينة ومحددة، تصدر عن شخصيات رمزية هي الدبلوماسي و الجندي....... السفير والجندي يعيشان و يمثلان العلاقات الدولية " (14)،  وبحسب هذا المنطق فان كل الدول تبحث عن نفس الأهداف المعرفة بالقوة و الأمن، ولتحقيق ذلك تضبط سلوكها إزاء بعضها البعض بتوظيف وسيلتين مشتركتين هما: الدبلوماسية والقوة. وبالنسبة لهذا المنطق دائما فان أي دولة حرة في الاعتماد على دبلوماسيها أو عسكرييها لمواجهة أي وضعية ما، واختيار الأسلوب و الوسائل محكوم فقط بالظروف ليس إلا ، لأن الدبلوماسية والحرب ليس من طبيعة مختلفة فكلاهما مجرد أدوات في خدمة المصلحة الوطنية ،  وهذا بالضبط ما يسميه آرون ( السلوك الدبلوماسي الاستراتيجي ) الذي يكون هدفه الأخير محاولة عقلنة القرارات المتخذة .
بالنسبة للتعددين الواقع أكثر تعقيدا بسبب تعدد الفواعل وكثافة وتسارع التدفقات في الساحة الدولية، فوجود عدد متزايد من الروابط الفوق قومية في مجالات متنوعة مثل (الاتصالات، التجارة، المال...............) سمح بفتح نقاشات ساخنة حول تحليل السياسة الخارجية المجال الذي كان سابقا حكرا على رؤساء الدول و الدبلوماسيين.
إن الحقائق السياسية والاقتصادية الجديدة أنتجت تحولات عميقة داخل المجتمع الدولي شجعت تعددية الفاعلين وجعلت من توفر مستوى معين من الاعتماد المتبادل ضروري وعليه يؤكد هؤلاء على أن الفعل الدولي إذا أراد لنفسه أن يكون فعالا ومتماسكا يجب أن لا يحصر نفسه اليوم في الإطار الضيق للميدان الدبلوماسي والاستراتيجي (ريمون ارون) لأن المعارك تدور وبنفس الشراسة في ميادين الاقتصاد و التكنولوجيا والثقافة ولهذا السبب يتعين أن نضيف إلى قائمة الوجوه التي كانت تكفي فيما مضى لتجسيد الأدوار المسيطرة للمفهوم التقليدي للعلاقات الدولية والتي ضمت رجل الدبلوماسية ورجل الحرب قائمة أخرى تضم الخبير الاقتصادي والفني والديني والثقافي والمالي.
كما يبرز اليوم بشكل لافت التشكيك في التفرقة بين ما هو عام "public" وما هو خاص privé"" ففي المفهوم التقليدي تحتكر السلطات السياسية النشاط الخارجي وإذا كانت هذه القاعدة لا تزال إلى حد ما سارية إلا أن فحص عملية الممارسة يؤدي إلى نتائج مختلفة، فقد خلقت نشاطات الشركات متعددة الجنسية بالفعل بؤر سلطة قادرة على منافسة مبادرات الدول ولكن حتى داخل الدول يمكن أن يكون للقرارات التي يتخذها مقاول تأثير على مستوى الإنتاج وعلى توازن ميزان المدفوعات كما يؤدي ضغط النقابات العمالية حتما من اجل رفع الأجور أو خفض ساعات العمل إلى التأثير على أسعار المنتجات أو على توازن الميزانية، وفي كلتا الحالتين فان الاستجابة إلى هذه المطالب يمكن أن تضعف من الوضع التنافسي للدولة على الصعيد الخارجي وعلى الرغم من استمرار وجود ميدان خاص تكون فيه القرارات الرئيسية حكرا أو مقصورة على السلطات العامة العليا فان المبادلات الدولية و التي تشكل النواة اليومية للعلاقات الدولية ترتكز إلى حد كبير على المبادرات الخاصة وعلى الضغط الذي تمارسه هذه المبادرات على السلطة السياسية.
لقد اقتصرت في السابق دراسة العلاقات الدولية على البحث في التدفقات الصادرة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة عن الدول، أو بمعنى أدق عن الحكومات التي يفترض أنها تمثل هذه الدول على المسرح الدولي ولم تتعرض إلى جملة التدفقات التي تشكل العلاقات الدولية اليوم، إذ انه يوجد في إطار ما نطلق عليه العلاقات الدولية عدد من التدفقات يخرج بدرجة أو بأخرى عن نطاق سيطرة أو رقابة الأجهزة الحكومية، وهذا هو الوضع على سبيل المثال بالنسبة لانتقال الأفراد ورؤوس الأموال أو البضائع أو الأفكار ومن المؤكد أن الحكومات لا تقف موقف المتفرج بالنسبة لحركة هذه التدفقات التي من الأكيد أن تؤثر على توازن اقتصادها أو على قوة عملتها أو جوهر الاتفاق الوطني القائم، لكن الحكومات عادة ما تعجز عن اخذ زمام المبادرة في مثل هذه الأمور و تكتفي بردود الفعل في مواجهة مبادرات تأتي من جانب الجماعات التي تتحرك من تلقاء نفسها لتحقيق أهداف خاصة بها، هذا النوع من التدفقات هو الذي يطلق عليه كما اشرنا سابقا وصف عبر قومي Transnational.
3: التحول في الوسائل والأدوات:
     لقد غير التقدم الهائل الذي تم إحرازه في ميدان الاتصالات من ظروف ممارسة العلاقات الدولية تغييرا عميقا إن لم يكن قد غير من طبيعة هذه العلاقات نفسها.
بحيث أصبح الحديث اليوم وبشكل متزايد عن الصراعات غير المتناظرة تدار بوسائط وأدوات ليست بالضروة عسكرية  فقد تكون الكترونية أو وسائل مدنية أوحتى فيروسات معدية وغيرها.إن الطابع الأهم الذي يحكم هذه الصراعات هو الانتقال من مفهوم التهديدات إلى مفهوم المخاطر فالأولى يمكن توقعها وبالتالي مواجهتها بين الثانية فهي من طبيعة مختلفة تمتاز بالتنوع والتعدد وهو ما يصعب من امكانية تحديدها والتنبؤ بمآلاتها وبالتالي مواجهتها. فمثلا اليوم هناك تركيز على تحول الحركات الأصولية المتطرفة إلى الخطر الرئيسي على السلام والأمن الدوليين الذي يجب مواجهته. وهو الأمر الذي يطرح الكثير من الاشكالات المرتبطة بأدوات ووسائل مواجهة هذه الشبكات، إذ أن الأدوات العسكرية التقليدية أثبت تجربة الحرب على الارهاب عجزها وعدم كفاءتها في هذا المجال. وبرزت الحاجة لتبني مقاربات سوسيواقتصادية تستخدم أدوات غير عسكرية لمواجهة هذه المخاطر.
ثالثا: الرؤية الغربية للأمن في حوض المتوسط
بداية نتساءل هل سنشهد الانبثاق المدوي لمنطقة البحر الأبيض المتوسط في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. إن مجموع من الكتاب يرون ذلك ممكنا ، لكنهم يشبهونه غالبا بقيام عاصفة  لايمكن التبوء بنتائجها ، ذلك أن البحر الأبيض المتوسط يبدو كأنه تهديد او بحرغير مستقر أو بحر متاعب أو باختصار بحر مر 15 وهذا راجع لاعتبارات التفجر المجتمعة في هذه المنطقة: الانفجار الديمغرافي  ، الأصولية، اليمين المتطرف ، الإرهاب ، الهجرة ، النزاع  العربي الإسرائيلي , التخلف , نضوب مصادر المياه.........وغيرها.
وبعبارة أخرى تعتبر منطقة حوض المتوسط تخوم حقيقية بين الشمال والجنوب وجاءت نهاية الحرب الباردة لتكشف هذه الحقيقة بشكل واضح وهو ما لاحظه مجموعة من السوسيولوجيين (ادغار مورن, ريجي دوبراي.........) حيث سجلوا ان المتوسط تحول الى خط مواجهة في الوقت الذي زال فيه خطر الشرق"16
بداية سنوات التسعينات كانت مطبوعة بحالة شك كبيرة حول مستقبل المنطقة، وكذا مستقبل العلاقات الأورمتوسطية، مخاطر انتقال العدوى من دول تعيش أزمات اجتماعية وسياسية إلى كامل المنطقة لا تبدو مستبعدة، وكذا الآثار المترتبة عليها خاصة في منطقتي البلقان وشمال إفريقيا.
لذلك اعتقد أن مشروع الشراكة يتجه إلى تنميط العلاقات الاقتصادية والتجارية للاتحاد الأوربي مع جيرانه المتوسطيين في ضوء المتطلبات السياسية والأمنية الجديدة للاتحاد الأوربي التي تولدت عن نهاية الحرب الباردة. إن مشروع الشراكة الأورمتوسطية في حقيقته يعكس تغير مفهوم الأمن بعد نهاية الحرب الباردة في الفكر الاستراتيجي، حيث انتقلنا من المفهوم الضيق للأمن بالمعنى العسكري، إلى تصور أكثر تعقيدا عن الأمن الإنساني، فالأمن لا يعني مجرد غيـاب الحرب ولكنه يعني التعاون والاعتماد المتبادل لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية لضمان الحد الأدنى من الاستقرار.
سنناقش كل هذا من خلال النقاط التالية:
1-الهجرة: الاتحاد الاوروبي اليوم متخوف بشكل مفرط من الانفجار الديمغرافي المصحوب بازمة اقتصادية في مجتمعات جنوب المتوسط, وخطورة هذا الانفجار تكمن في استمرار الهجرة السرية نحو مجتمعاته بشكل يصبح فيه المهاجرين عبارة عن لاجئين اقتصاديين17  يهددون تماسك واندماج المجتمعات الغربية.
والملاحظ اليوم ان الحركة البشرية تميزت بسلسلة من التعقيدات  التقنية والثقافية والاجتماعية, والتي تفاعلت فيما بينها لتشكل الهاجس الامني الاوربي الجديد, وتهديد الهجرة بين ضفتي المتوسط مرتبط بالعديد من الظواهر والتفاعلات , يمكن دراستها من خلال التصور البسيكو- ثقافي والتصور السوسيو-اقتصادي. فالتصور البسيكو- ثقافي يظهر ان الاتحاد الأوربي متخوف من تراجع قوته البشرية في مقابل تنامي القوة البشرية لمجتمعات جنوب المتوسط , وبالتالي تراجع قيمها الحضارية مقابل تنامي القيم الإسلامية, وهذا التخوف تولد لدى الدول , المجتمعات , النخب ودعمته وسائل الاعلام ,ففي احد اعداد صحيفة  "Le Figaro" الفرنسية ظهر مقال بعنوان:" هل سنكون فرنسيين في عام 2025   serons-nous francais en 2025 " عارضا صورة امراة فرنسية ترتدي الحجاب18 كما أن حداث الضواحي في اهم العواصم الاوربية (باريس, برلين........) زادت من الاحساس بخطر ما اسموه الغزو"l'envahissement" أو عودة البرابرةle retour des barbares""19  فالأوربيون يرون أن المغاربة غير أوربيون وبالتالي غير قابلين للاندماج ( لديهم طريقة غريبة في الأكل , في اللباس ,في معاملة النساء) غير قابلين للمراقبة ( يمكن أن يعملوا لصالح طرف خارجي وبناء شبكات إرهابية) بالنسبة للعامل الديمغرافي ( ينجبون الكثير من الأولاد) ويدينون بالإسلام نقيض الحضارة المسيحية وبالتالي هم يشكلون خطر على المجتمعات الغربية.
وقد ربطت النخب السياسية اليمينية في أوربا الهجرة بالتطرف الإسلامي والأزمة السكانية في الجنوب حيث أصبح يدرك التهديد الإسلامي من زاوية نقل الفوضى عبر قنوات الهجرة فانتشار ظاهرة الاغتراب بين الفئات المغاربية المهاجرة  و مشاكل الاندماج , يجعل هذه الفئات قابلة للتسييس من قبل الحركات الإسلامية والتي ظهر تأثيرها في زيادة تأكيد المجتمعات المسلمة في أوربا على هويتها الثقافية والحضارية المتميزة وبذلك تصبح الهجرة مرتبطة بقضية الهوية ومن ثم تتحول الى هاجس أمني  مقلق لدى دول شمال المتوسط خاصة عندما ترتبط بمسارات العنف.
أما التصور السوسيو اقتصادي فيقوم بتفسيرأخطار الهجرة و تهديداتها على الأمن الأوروبي بالارتكاز على ظاهرة تمركز الأقليات والتجمعات السكانية المهاجرة من دول جنوب المتوسط في ضواحي المدن الأوربية الكبرى وتكوين ما يسمى بالمدن الأكواخ(bidonvilles) مما يخلق مشكل الاندماج من جهة ومن جهة أخرى فان المهاجرين بسبب خصائصهم البشرية الديمغرافية، يساهمون في زيادة البطالة في المجتمع الأوربي لأن اليد العاملة الرخيصة المتكونة من المهاجرين و أبنائهم  تنافس بشدة  اليد العاملة الأوربية في سوق العمل.
وتشكل المخدرات وتجارتها احد اكبر المخاطر على المجتمعات المتوسطية, تزداد خطورة هذه الآفة مع الهجرة غير الشرعية فالشباب في الضفة الجنوبية سئم بؤس الجنوب مبهور بالضفة الشمالية ولأنهم لا يتمكنون من الوصول إليها بطرق شرعية فإنهم يعبرون المتوسط بطرق غير شرعية بمساعدة شبكات تقوم بتنظيم رحلاتهم مقابل مبالغ مالية. وبذلك يظهر أن الهجرة تمثل احد مظاهر اللاأمن لأفراد مجتمعات ودول المتوسط. وعليه سعى الاتحاد الأوربي لمواجهتها بتبني سياسات وتشريعات تتسم بتزايد النزعة التقيدية لشروط الهجرة وكذلك  النزعة القمعية.
إذ تعتبر الهجرة تحديا وفرصة في آن واحد أمام العلاقات المتوسطية الأوربية نتيجة لاتصال مسـألة الهجرة وتشابكها مع قضايا أخرى مثل البطالة والاستقرار السياسي، لذا أتصور أن الشيء الذي يحدد أكثر الرهان المتوسطي هو الخوف الأوربي من مستقبل يكون مطبوع بالهجرة الكثيفة من الجنوب، وهو الشيء الذي يشرحه الباحث الأسباني الفانسو ريبيرا " Alfons Ribera بقوله:" إذا كان الخطر بالنسبة لأوربا يأتي من الجنوب (التطرف، المخدرات، الهجرة) بسبب الظروف الاقتصادية التي تعاني منها دول جنوب المتوسط، وإذا انتهجنا سياسة فاعلة لدفع التنمية، فإن الخطر سيتقلص بشكل يتناسب والنمو في هذه المنطقة"20 و هو ما يذهب إليه الخبير الإسباني " خوان أنطونيو ساكولوجا " حيث يصف النمو السكاني في شمال إفريقيا بالقضية الخطيرة التي يجب أن تعد لها أوربا العدة ويستشهد بقول وزير الخارجية الفرنسي الذي يقول فيه:" إذا لم نساعد بلدان شمال إفريقيا على مواجهة الانفجار السكاني فإن شمال إفريقيا سيحل ببيوتنا"21، ثم يضيف لا يمكن بحال من الأحوال مساعدة بلدان نامية هكذا كرما وحسن أخلاق ولكن يجب على الإتحاد الأوربي أن يتحرك للدفاع عن مصالحه"، وهنا نشير أن الإجراءات البوليسية لن تحول دون تدفق المهاجرين من الجنوب إلى شمال المتوسط، ولا يمكن تصور وقف هذا التدفق أو على الأقل الحد منه دون ما تنمية اقتصادية في جنوب المتوسط، فهناك إذا حاجة لمواجهة مشكلات دول جنوب المتوسط لتحقيق الأمن المشترك والوصول إلى مفهوم شامل للأمن يتضمن التنمية الاقتصادية، وهنا نشير إلى التصريح الشهير للرئيس الراحل هواري بومدين  سنة 1974، حيث قال " لن تستطيع أ ي قنبلة نووية أن توقف زحف الملايير من البشر من الجزء الجنوبي الفقير للعالم نحو الشمال"22، وحتى نفهم هذا المشكل نعطي بعض الأرقام التي تشرح الوضع أحسن من أي شئ آخر، حيث يبرز حوض المتوسط كمنطقة ذات زيادة سكانية كبيرة، الدول المشاطئة للحوض جمعت 142 مليون نسمة في بداية القرن الماضي، انتقل الرقم إلى 220 مليون سنة 1950 ، وتظم المنطقة حوالي 450 مليون نسمة سنة 2000.
فهذا النمو الديمغرافي السريع مرتبط بالهجرة، وهما معا يسيران نحو التفاقم، إذ تثير الهجرة مشكلة مزدوجة فإقفال باب الشمال قد يؤدي إلى انفجار في دول الجنوب يطال بتداعياته الشمال، وعدم إقفال الباب واستمرار الهجرة مع ما تفجره من تناقضات اجتماعية في التقاليد والعادات مع الـدول المستـوعبة يـؤدي إلـى خلـق تـوتـرات تهـدد السلـم الاجتمـاعي وتقـوي التيـارات المتطـرفة.
  2- الإرهاب: يعتبر حوض المتوسط من أكثر أقاليم العالم تأثرا بنمو العنف وهو ما يؤثر بشكل سلبي على العديد من الأنشطة الاقتصادية لدول حوض المتوسط ومنها العمالة المهاجرة . و يمثل التطرف الإسلامي أو أحيانا مجرد الدعوة للدين الإسلامي في دول رئيسية- جنوب المتوسط- هاجسا ملحا ومقلقا لدى دول شمال المتوسط أو بعضها على الأقل خاصة عندما يرتبط بممارسات عنف تثير مخاوف وتساؤلات في الضفة الشمالية للمتوسط حول العلاقة بين المد الإسلامي والديمقراطية والاستقرار.
وبالتالي يبرز التهديد بشدة بسبب تنامي دور الحركات السياسية الدينية, وينظر للجزائر من هذه الزاوية على أنها المثال الحي فعدم استقرار دولة في حجم الجزائر و موقعها المركزي في المتوسط ودورها المحوري المحتمل سوف يؤدي دون شك إلى اتساع مجال اللااستقرار إذا ما استمر انتشار وتسارع المد الأصولي إلى الدول المجاورة.
إن أوربا لا تتعامل مع مشكلة التطرف الإسلامي كظاهرة ليست فقط مرتبطة بأعمال عنف أو إرهاب خارجية بل و أيضا بأخطار داخلية تؤثر على نسيجها  الاجتماعي واستقرارها ( تفجيرات الجماعات الإسلامية المسلحة في ميترو باريس, مدريد, لندن....) فحدوث أعمال عنف واستيلاء حركات إسلامية متطرفة على الحكم في دول جنوب و شرق المتوسط قد يؤثر بشكل أو بآخر على الضفة الأخرى في المتوسط كما أن قمع حكومات جنوب وشرق المتوسط لهذه الحركات قد يدفع بها إلى تبني عمليات إرهابية تطال أوربا.
و هذا يقودنا رأسا للحديث عن الرؤية الأوربية للبعد الأمني، ففي دراسته للرؤية الأمنية الأوربية في علاقتها مع دول جنوب المتوسط يشير الباحث إدوارد مورتيمير إلى أنه مع انتهاء الحرب الباردة تغيرت الرؤية الأمنية للدول الأوربية وصارت ترتبط بموقع كل دولة، ففي وسط وشمال القارة ينظر إلى الفوضى الناشئة عن انهيار الاتحاد السوفياتي على أساس أنها المصدر الأول لتهديد الأمن الأوربي، بينما النظرة الغالبة في غرب وجنوب القارة أن التهديد يأتي أساسا من جنوب المتوسط، ويوضح الباحث أن التهديدات القادمة من الجنوب لها جذورها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولذلك لا تكفي القوة العسكرية وحدها لضمان الأمن الأوربي، ومن ثم يجب وضع سياسة شاملة تتضمن كل هذه الجوانب، وهذا يعكس التحول الذي طرأ على مفهوم الأمن بعد الحرب الباردة23، حيث اختلف مفهوم الأمن بالمفهوم المعاصر اختلافا جذريا عن المفهوم الذي اعتمد على الأمن الأحادي الاتجاه، إذ كان التركيز السائد منصبا على الأمن العسكري باعتبار أن القوة العسكرية هي القادرة على تأمين حدود الدولة والحفاظ على سلامة أراضيها وتحقيق الاستقرار الداخلي، إن الأمن المعاصر هو الأمن الشامل بمفهومه الواسع المتعدد الأبعاد والاتجاهات والمجالات، فهو ليس مجرد إجراءات للدفاع أو ترتيبات للحماية، بل هو الاستقرار بأوسع معانيه، وهذا يعني ضرورة حل المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فالفكرة الجديدة اليوم هي أن"أمن الآخر يرتكز بشكل كبير على أمن الآخرين، فالأمن لا يزداد إذا كانت الوسائل المستخدمة لضمانه تولد لا أمن عند الآخرين"، وهو ما يعكس التوجه العالمي نحو تحقيق الأمن المشترك أو الجماعي الذي في ظله أصبح التعاون المتبادل بين مجموعة متجانسة من الدول وليس التحالف العسكري هو السمة الأساسية للعلاقات الدولية (التجمعات الإقليمية)، إذن التصورات المتعلقة بالأمن لما بعد الحرب الباردة تركز على أن الأمن ظاهرة ذات طبيعة شمولية ومعقدة ولا يتألف فقط من مكونات عسكرية بقدر ما يشتمل على مكونات اقتصادية واجتماعية وثقافية وإنسانية (فكرة تدني منفعة القوة العسكرية). وهنا يمكن فهم الشراكة الأورمتوسطية، فهي فكرة تقوم على الأهمية الإستراتيجية لهذه الشراكة في دعم السلام والاستقرار، إذ لا يمكن التكلم عن الأمن دون التكلم على التنمية الاقتصادية والتطور السياسي لأن الأمن لا يعني الهيمنة والردع فقط.
وعموما يمكن أن نسجل هنا أن في قمة واشنطن 1999 للحلف الأطلسي , تم اتخاذ قرارات غيرت الرؤية الأمنية التي تم تبنيها خلال 50 سنة الماضية, حيث أصبح من حق الحلف التدخل خارج محيطه الجغرافي و قد حددت الوثيقة التي اعتمدتها القمة بعنوان:" المخاطر العالمية والتهديدات الأمنية التي تستدعي تدخل الحلف والتي تشمل :
1-                   احتمال انقطاع الإمدادات بمادة حيوية كالنفط مثلا.
2-                   وقوع أعمال إرهابية انطلاقا من بلد من خارج بلدان الحلف.
3-                   نشوء حركة تشريد أو هجرة جماعية من منطقة ما.
4-                   انتهاك حقوق الإنسان على نطاق واسع ( بمفهوم الحلف طبعا).
5-                   استفحال الجريمة المنظمة مثل: تجارة المخدرات.
6-                   احتمال وصول أسلحة الدمار الشامل إلى بلد لا يجب أن تصل إليه.
وبالنسبة للأوروبيين الذين هم جزء من منظومة الحلف الأطلسي فإن مجموعة المخاطر والتهديدات الأمنية التي باتت  تهدد الأمن الأوروبي والتي يكاد يجمع الأوروبيون على أنها قادمة من جنوبي  وشرق المتوسط لعل أهمها:
1-                   الانفجار السكاني حيث يسبق النمو الديمغرافي دائما التنمية.
2-                   ازدياد الفقر ومعه المديونية التي تخنق وتعطل آفاق الاستثمار و التنمية.
3-                   ارتفاع مستويات التسلح في دول العالم الثالث.
4-                   اللااستقرار السياسي والاجتماعي المتعدد الأسباب.
إذ أن مخاطر انتقال هذه العدوى من دول تعيش أزمات اجتماعية وسياسية إلى كامل المنطقة لا تبدو مستبعدة (القرب الجغرافي و عمق العلاقات بين بلدان المتوسط غير الأعضاء في الاتحاد تجعل استقرار تلك البلدان أمرا حيويا للمجموعة). و هو ما يعني أن تزايد الاختلالات الاقتصادية و الاجتماعية فيما بين أوربا وهذه البلدان  سوف يكون أمرا يصعب تحمل نتائجه. ومن منظور أوسع  تشكل تلك الاختلالات  تهديدا لأمن أوربا بمفهومه الواسع .
كما يمكن أن نضيف هنا أن  أحداث 11 سبتمبر أبرزت رسالة و دور الحلف الأطلسي بصورة أوضح فاكبر تهديد اليوم بالنسبة للحلف و للعالم مصدره مجموعات وشبكات إرهابية دولية تترافق مع احتمال حصول هذه المجموعات واستخدامها لأسلحة الدمار الشامل  فالتهديد بالنسبة للحلف الأطلسي لا يأتي اليوم من القوى العظمى بل من البلدان الفاشلة. فالإرهاب يجد الملاذ الآمن في البلدان الفاشلة, وفي حالات النزاعات الإقليمية المستمرة دون حل, وفي تعاسة الفقر المزمن واليأس.
وهذا في الحقيقة يطرح نوع جديد من الصراع فهو ليس صراعا تقليديا بين جيوش تتقاتل للسيطرة على أرض ما. الواجب هو تحقيق تقدم في تلك البلدان بالنسبة لحقوق الإنسان والحكم الصالح و الإصلاحات الاقتصادية , تتجاوز القوة العسكرية حتى تتمكن من توقع استتباب الأمن والاستقرار.
والتكيف مع هذه البيئة الإستراتيجية الجديدة لن يأتي بسهولة  وسيتطلب عقيدة إستراتيجية جديدة للحلف.
ومع مرور الوقت , سوف يتخذ حوض المتوسط أهمية إستراتيجية اكبر بالنسبة للحلف ويجب اعتباره منطقة جيوسياسية حيوية لها ديناميكيتها الخاصة, فالإرهاب والاتجار غير المشروع بالمخدرات والبشر والتهديدات الأخرى الصادرة عن تلك المنطقة هواجس أمنية كبرى بالنسبة لأوربا و الحلف الأطلسي.
فالمتوسط يطرح ثنائية متقابلة متناقضة، من جهة ترسيخ التكتل المكون من دول متقدمة مع تكريس  تهميش الدول الفقيرة والفاشلة و يحدث عدم الاستقرار في الحزام الواقع بين هذين الكيانين الجيوسياسين المختلفين.
إن التحولات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة ولدت في الدول الأوربية شعورا باللاأمن، طبيعته ليست نتاج التهديد أو الخطر العسكري، ولكن ذو طبيعة اقتصادية اجتماعية ثقافية، فتحديد طبيعة التهديد ونوعيته يكشف لنا اليوم الحاجة لإيجاد الحلول للمشكلة الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها شعوب جنوب المتوسط، حيث أن ازدياد حدة المشكلات بنتائجه السياسية على الأمن والاستقرار في دول الجنوب سوف ينعكس بالتأكيد على الأمن الأوربي، ومن هنا نجد أن الاتحاد الأوربي عندما أراد أن يواجه مشكلات مثل الهجرة والتطرف القادمة من الجنوب قرر بعث مشروع الشراكة الأورمتوسطية، وكما يشير إلى ذلك روبرتو أليبوني "Roberto Aliboni « الدول الأوربية تميل إلى تقدير أن القدرات العسكرية لدول الضفة الجنوبية لا تشكل تهديدا()، لكن العوامل السوسيوسياسية والثقافية تشكل اليوم توترات وأخطار يمكن أن تتحول إلى تهديد في المستقبل"24، وبالطبع يجب الاستعداد للتعامل معه ومواجهته .
و ضمن نفس السياق ولمواجهة الأخطار الجديدة القادمة من الجنوب وفي إطار مراجعة جيواستراتيجية الحلف الأطلسي تحتل إيطاليا وإسبانيا مكانا متقدما في الهندسة الأمنية للحلف، فبالنظر إلى التوجهات الكبرى للنموذج الدفاعي الجديد الذي يجري بناؤه يمكن فهم الإدراك الأوربي الجديد للجنوب، فتحسن العلاقات شرق-غرب، تزامن مع تزايد تعقد العلاقات بين الشمال والجنوب، فالأخطار التي يمثلها وصول بعض التيارات الإسلامية المتشددة للسلطة قد تنتج توترات كبيرة ولا استقرار في كامل المنطقة ثم مشكل المديونية والنمو الديمغرافي.
لمواجهة كل هذه الأخطار تم إعادة هيكلة القوات المسلحة بشكل يسمح لها بسرعة الانتشار والتدخل، هذه الاستراتيجية مبنية على القدرة على الانتشار بواسطة قوات التدخل السريع"RDF «( في 11 أفريل 1992 تم الإعلان عن إنشاء قوات بحرية من طرف الحلف الأطلسي خاصة بالمتوسط أطلق عليها اسم Stanaformed مقرها مدينة نابل الإيطالية، وفي 19 نوفمبر 1996 تم الإعلان عن تشكيل قوة عسكرية للمحافظة على السلام في جنوب المتوسط سميت بـ Eurofor ومقرها مدينة فلورنسا الإيطالية)، وحماية المصالح الأوربية ومتابعتها وهو ما لمح إليه المفوض الأوربي السابق مانويل مارين "Manuel Marin " حين قال " علينا أن نضمن للمتعاملين الاقتصاديين بيئة مستقرة وآمنة ".
الخاتمة:
    عموما يمكن أن نسجل في الأخير النقاط التالية:
1- ساهم تطور وسائل الاتصال و المواصلات في تقليص الدور الأمني لمؤسسات الجيش لصالح ترتيبات أمنية واقتصادية واجتماعية ( مشروع الشراكة، سياسة الجوار،الاتحاد من أجل المتوسط مؤتمرات القمة، .....).الأمر الذي أدى إلى هامش ومساحة المؤسسة العسكرية.
    2- أصبح الرأي العام معيار أساسي و له وزنه في أي ترتيبات والتي أصبحت تجري تحت مراقبة أجهزة الإعلام. ولهذا فإن إمكانيات الرأي العام في التعبير تتضاعف يوما بعد يوم ( المنتديات التي تجمع المنظمات غير الحكومية " ONG") الأمر الذي نتج عنه بروز دبلوماسية خضراء ساهمت في إحداث تحول في المناهج التقليدية للتعامل  بين الدول، بالتوازي كذلك وتحت تأثير دخول فاعلين جدد برزت دبلوماسية حقوق الإنسان"Diplomatie des droits de l’homme.
 3) ساهم إنشاء منظمات دولية وظيفية مختلفة بدوره في بروز متدخلين جدد ( متخصصين، تقنيين…….) يعملون في مجلات مختلفة ( التغذية، الصحة، الاتصالات، الثقافة، التجارة، الأمن ...) هذه المنظمات خلقت واقع تؤدي فيه وظائف بفعالية وكفاءة تتجاوز في كثير من الأحيان الدول.
 4) تحولت وظيفة تحقيق الأمن مع تعدد المصالح و الفواعل إلى تدخل الدول في المجالات الجديدة، فإذا كانت الوظيفة الأمنية( الأمن القومي) في السابق تقتصر على العلاقات ما بين الدول، وفي بعض الأحيان المنظمات الدولية والإقليمية. فإن توفير الأمن في الواقع المعاصر يتعدى هذا بشكل كبير إلى البحث في كيفيات التعامل والتعاطي مع الشبكات المتعددة والمتنوعة.
 لقد أصبح للأمن بعد اقتصادي واجتماعي انساني سيادي يتجاوز البعد السياسي والاستراتيجي في أحايين كثيرة.
وإذا أخذنا جميع هذه القضايا في الحسبان عموما,  فإنها تمثل تحديا أمنيا معقدا جدا يواجه أوربا و أكثر بكثير مما كان يمثله الإتحاد السوفيتي السابق, ويعود ذلك إلى أسباب عدة:
1- إن هذه التحديات الأمنية تبدو متنوعة ومختلفة من حيث المظهر و الشكل لكنها تشترك من حيث مصدرها وتأثيرها, فاندلاع الحروب الأهلية وانهيار أنظمة بعض الدول على سبيل المثال يمثلان  تربة خصبة  وملجأ أمنا للجريمة المنظمة والمنظمات الإرهابية كما أنها تعد مصدرا لتدفق اللاجئين و الهجرة غير الشرعية. وهكذا فان التهديد الذي يمثله الإرهاب الدولي مرتبط على نحو متزايد بالإرهاب المحلي . لهذا فان التهديدات الأمنية المتنوعة و المرتبطة بعضها ببعض في الوقت نفسه يتطلب وبقوة وجود عملية تجميع صحيحة للمعلومات السياسية والاجتماعية والقيام بتحليل دقيق لها.
2- أن هذه التهديدات الأمنية هي تحديات اجتماعية – اقتصادية بالدرجة الأولى وليست عسكرية – تقنية. فالحروب الأهلية والإرهاب والهجرة والجريمة المنظمة جميعها تحركها الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية, أما أهمية الحسابات العسكرية- التقنية فإنها تبقى في الدرجة الثانية والاستجابة لهذه التهديدات تقتضي أخذ بعين الاعتبار هذه الاختيارات.
3-أنه لا يمكن التعامل مع أي من التحديات الأمنية التي تواجهها دول أوربا من خلال القوة العسكرية فقط أوالتلويح باستخدامها , فالقوة العسكرية يمكنها أن تنهي الحروب الأهلية أو تحسم الوضع في بلد ينهار نظام الحكم فيه, لكنها لا تستطيع تحقيق سلام دائم.
أضف إلى ذلك أن العمل العسكري يمكنه أن يستهدف الإرهابيين بالقتل أو يعرقل نشاط شبكاتهم لكنه لا يستطيع معالجة جذور المشكلة أو استئصال الإرهاب كليا. لذلك يجب إدراج برامج سياسية واقتصادية في صلب التخطيط العسكري.
4- أن بيئة الأمن المعاصر تتحدى كلا من الحدود الوهمية والحقيقية , بين الأمن الداخلي و الخارجي وكذلك التوزيع التقليدي للمسؤوليات بين المؤسسات الدولية و الوكالات المحلية.فعلى الصعيد الداخلي , تستخدم الشرطة ودوائر الأمن المحلية الأخرى وسائل وأساليب عسكرية على نحو متزايد في مهامها كما أنه يتم اللجوء إلى الجيش بشكل متزايد. أما على الصعيد الخارجي فان ما نلحظه هو زيادة في توظيف الجيوش في مهمات تهدف إلى فرض النظام و إحلال القانون.
 


الهوامش:
1-Zaki Laidi , Espace,vitesse et sens a l’heure de la mondialisation ; politique étrangere, 1/96,p179
2 ناصف يوسف حتى، أي هيكل للنظام الدولي الجديد، جريدة المساء الجزائرية، 9 أكتوبر 96 ، ص5.
3 سمير أمين، قضايا استراتيجية في المتوسط، ترجمة : سناء أبو شقرا (بيروت ، دار الفرابي، 1992)، ص54
4 جون كرستوف روفين، أوهام الإمبراطورية وعظمة البرابرة، ترجمة: أمل أبي راشد ، (طرابلس، دار الجماهيرية للنشر والتوزيع)، ص26.
5 ماجدة صالح، الحركات الأصولية الإسلامية في أوربا ، (القاهرة، اتجاهات حديثة في علم السياسة، اللجنة العلمية للعلوم السياسية، 1999)، ص308.
6 جون كرستوف روفين، مرجع سابق، ص19-39.
7-مارسيل مارل: سوسيولوجيا العلاقات الدولية، ترجمة: حسن نافعة، دار المستقبل العربي ط: 1986 القاهرة، ص 328 .
8ا-لمرجع السابق، ص332.
D.Held, A.Mc Grew , Global Transformations, polity press 2003-.9
J.Nye,R.Keohane; Transnational relation and world politics,Cambridge(Mass), Harvard University press 1972.10
John.W.Burton; World Society , Cambridge University press 1972.-11
James.Rosenau; Turbulence in world politics, A Theory of change and continuity, Princeton University 1990.-12
-13مارسيل مارل: مرجع سابق ، ص332.
Jean-Jacques Roche ; Relations internationales, L.G.D.J, Paris 1999 , p115.-14
15 - بشارة خضر: في ميشال كابرون: أوروبا في مواجهة الجنوب ,ترجمة: أديب نعمة, دار الفرابي, بيروت 1992 ص 94,93.
16- Charles Zorgbibe¨la Méditerranée  nouvelle ligne de front? Politique et parlementaire, 97eme  année N980 nov/ dec 95 p68.

17-Bichara Khader. Le partenariat euro-méditerranéen après la conférence de Barcelone, L’harmattan France 1997 p 78.
18- وليد محمود عبد الناصر ,التعاون المتوسطي بين مطرقة الهجرة وسندان التطرف، السياسة الدولية، أفريل 1996، العدد124، السنة 32 ، ص 114.
19- نفس المرجع السابق.
20- Bichara khader,op cit,p8
21- وليد محمود عبد الناصر: مرجع سابق، ص 116
22- Charles Zorgbibe, op cit, p 67
23- بيتر بلادو: أوربا والبحر المتوسط، ، السياسة الدولية، أفريل 1996، العدد124، السنة 32 ، ص 114.
24- Bichara Khader, Geopolitique de la proximité, L’harmattan France 1994, p54.